bg
square
halfCircle
square

نصف العمليات بالذكاء الاصطناعي الوكيلي: لماذا يبدأ التحوّل بتقييم العمليات قبل اختيار الأدوات؟

التميز في العمليات والذكاء الاصطناعي

نصف العمليات بالذكاء الاصطناعي الوكيلي: لماذا يبدأ التحوّل بتقييم العمليات قبل اختيار الأدوات؟

الجزء الأول من سلسلة «العمليات في عصر الذكاء الاصطناعي الوكيلي» — قراءة في توجّه الإمارات لتحويل 50% من الخدمات والعمليات خلال عامين، وإطار عملي لتقييم قابلية كل عملية للتحوّل

في أبريل 2026 أعلنت دولة الإمارات عن منظومة حكومية جديدة تستهدف تحويل 50% من القطاعات والخدمات والعمليات إلى نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة خلال عامين. الرقم لافت، لكن السؤال الأهم لكل مؤسسة ليس «متى نبدأ؟» بل «بأي العمليات نبدأ، وهل هي جاهزة أصلاً؟».

✍️ فريق PDCA للتميز في العمليات  •  📅 سبتمبر 2026  •  ⏱️ 9 دقائق قراءة

ما الذي أُعلن؟ بتوجيهات صاحب السمو رئيس الدولة، أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في 23 أبريل 2026 عن منظومة جديدة لحكومة الإمارات تهدف إلى تحويل 50% من قطاعات وخدمات وعمليات الحكومة خلال عامين إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI)، لتكون الأولى عالمياً في هذا التحوّل. ووصف سموّه الذكاء الاصطناعي بأنه سيكون «شريكنا التنفيذي الحكومي لدعم القرارات، وتحسين الخدمات، ورفع كفاءة العمليات». ويتحقق ذلك عبر إعادة تصميم السياسات والعمليات والإجراءات اعتماداً على قدرات الذكاء الاصطناعي، بإشراف سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، وفريق عمل برئاسة معالي محمد عبدالله القرقاوي، مع تقييم أداء الجهات وقياداتها بمدى قدرتها على تبنّي هذا التحوّل.

وفي مايو 2026 اعتمد مجلس الوزراء الإطار الاتحادي لتنفيذ المشروع: هيكل حوكمة يحدد أدوار كل وزارة وجهة، وفرق عمل يقودها الوزراء ورؤساء الجهات، ومرحلة أولى تشمل خدمات المواطنين والمقيمين وقطاع الأعمال والخدمات العامة، مع مستهدفات ومؤشرات لقياس التحوّل، وبرنامج لتطوير مهارات 80 ألف موظف اتحادي. كما شهدت خلوة وطنية بمشاركة أكثر من 400 قيادي الإعلان عن الدفعة الأولى من المساعدات الذكية في مجالات المشتريات، والتدقيق الضريبي، وخدمة المتعاملين، والدعم التقني.

لماذا يعني هذا كل المؤسسات؟ لأن التوجّه الوطني يرفع سقف التوقعات للجميع: المتعامل الذي ينجز خدمته الحكومية في دقائق سيتوقع السرعة نفسها من مزوّد الخدمة الخاص، والشركاء والموردون سيُطالَبون بالتكامل مع عمليات أذكى، والمؤسسات شبه الحكومية والخاصة ستجد نفسها أمام السؤال ذاته: كيف ننقل عملياتنا إلى هذا المستوى دون أن نخاطر بجودتها؟

📚 عن هذه السلسلة: هذا المقال هو الجزء الأول من سلسلة معرفية تصدرها PDCA بعنوان «العمليات في عصر الذكاء الاصطناعي الوكيلي»، ترافق المؤسسات خطوة بخطوة في رحلة التحوّل: من تقييم العمليات، إلى إعادة تصميمها، إلى حوكمة الوكلاء الأذكياء وقياس أثرهم. تجد خارطة السلسلة كاملة في نهاية المقال.

من الأتمتة إلى الوكيل: ثلاثة مستويات مختلفة

قبل تقييم العمليات، من المهم التمييز بين ثلاثة مستويات كثيراً ما تُخلط ببعضها تحت عنوان «الذكاء الاصطناعي»:

البُعدالأتمتة التقليديةالذكاء الاصطناعي المساعدالذكاء الاصطناعي الوكيلي
طبيعة العملينفّذ خطوات ثابتة مبرمجة مسبقاًيقترح ويلخّص ويصوغ بطلب من الموظفيخطط وينفّذ سلسلة مهام لتحقيق هدف، ويتعلّم من النتائج
من يقرّر؟الإنسان يصمّم القاعدة، والنظام ينفّذها حرفياًالإنسان يقرّر مستعيناً بالمخرجاتالوكيل يقرّر ضمن صلاحيات وحدود محددة، والإنسان يراقب ويتدخل
الاستثناءاتيتوقف أو يُحيل عند أي حالة غير متوقعةيساعد الموظف على فهم الحالةيتعامل مع قدر من التباين، ويصعّد ما يتجاوز حدوده
مثالنقل بيانات نموذج إلى نظام آخر آلياًصياغة ردّ على شكوى متعامل ليراجعه الموظفاستلام الطلب، والتحقق من المستندات، والتنسيق مع الأطراف المعنية، وإصدار القرار في الحالات القياسية
المتطلّب الأهمإجراء ثابت وواضحسياسة استخدام ومراجعة بشريةعملية مُعاد تصميمها، وبيانات موثوقة، وحوكمة للصلاحيات والمساءلة

المستويات الثلاثة ليست بدائل متنافسة بل درجات نضج؛ فكثير من العمليات ستمرّ بمرحلة «الذكاء الاصطناعي المساعد» قبل أن تصبح مؤهلة لوكيل يعمل باستقلالية أعلى. وتحديد الدرجة المناسبة لكل عملية هو بالضبط ما يجيب عنه التقييم.

لماذا يبدأ التحوّل من العمليات لا من التقنية؟

اللافت في الإعلان أنه لم يتحدث عن «شراء أنظمة ذكية»، بل عن إعادة تصميم السياسات والعمليات والإجراءات. وهذا جوهري؛ فالمؤسسات التي تقفز مباشرة إلى الأدوات تقع عادةً في واحد من خمسة أفخاخ:

تقييم العمليات قبل البدء هو ما يحوّل هدف «50%» من رقم طموح إلى محفظة مدروسة: أيّ العمليات تُحوَّل أولاً، وبأي مستوى من الاستقلالية، وما الذي يجب إصلاحه قبل ذلك.

❝

إذا أدخلت الذكاء الاصطناعي على عملية مرتبكة، فلن تحصل على عملية ذكية، بل على ارتباك أسرع.

سبعة معايير لتقييم قابلية العملية للتحوّل

لا توجد عملية «قابلة» أو «غير قابلة» بالمطلق؛ القابلية درجة تُقاس. نقترح تقييم كل عملية وفق سبعة معايير، بمقياس من 1 إلى 5 لكل معيار:

1
وضوح القواعد ومنطق القرار
RULES CLARITY

هل تحكم العملية قواعد وسياسات مكتوبة ومتسقة، أم تعتمد على اجتهاد المنفّذ؟

سؤال التقييم: لو سلّمنا الإجراء لموظف جديد، هل سيصل إلى القرار نفسه الذي يصل إليه الموظف الخبير؟

2
الحجم والتكرار
VOLUME & FREQUENCY

كم مرة تُنفَّذ العملية شهرياً، وكم تستهلك من وقت الموظفين؟ العمليات عالية التكرار تحقق أعلى عائد من التحوّل.

عملية تتكرر 5,000 مرة شهرياً تستحق الأولوية على عملية تتكرر 20 مرة، ولو كانت الثانية أكثر تعقيداً.

3
جاهزية البيانات
DATA READINESS

هل المدخلات رقمية ومهيكلة ومتاحة وموثوقة، أم ورقية ومبعثرة ومتضاربة بين الأنظمة؟

البيانات هي وقود الوكيل، وضعفها هو السبب الأكثر شيوعاً لتعثّر مشاريع الذكاء الاصطناعي.

4
نضج التوثيق واستقرار العملية
PROCESS MATURITY

هل العملية موثقة ومرسومة ومستقرة، ولها مالك واضح ومؤشرات أداء، أم تتغيّر باستمرار؟

العملية المتقلبة تحتاج تثبيتاً أولاً؛ فتحويلها الآن يعني إعادة بناء الوكيل مع كل تغيير.

5
نسبة الاستثناءات وتعقيد الحكم
EXCEPTIONS & JUDGEMENT

ما نسبة الحالات التي تخرج عن المسار القياسي وتحتاج تقديراً بشرياً أو تفاوضاً أو تعاطفاً؟

قاعدة عملية: كلما ارتفعت نسبة الاستثناءات، انخفض مستوى الاستقلالية المناسب للوكيل.

6
حساسية المخاطر والأثر
RISK & IMPACT

ما أثر القرار الخاطئ على المتعامل أو الحقوق أو المال أو السمعة؟ وهل يمكن التراجع عنه بسهولة؟

القرارات عالية الأثر أو غير القابلة للتراجع تبقى تحت رقابة بشرية مباشرة مهما بلغت جاهزيتها التقنية.

7
التكامل الرقمي
SYSTEMS INTEGRATION

هل تعمل العملية على أنظمة يمكن الربط بها آلياً، أم تمرّ عبر بريد إلكتروني وجداول وملفات يدوية؟

الوكيل يحتاج «أيدي» تنفّذ داخل الأنظمة؛ وغياب الربط يحوّله إلى مستشار لا منفّذ.

مجموع الدرجات يعطي مؤشراً أولياً للقابلية (من 7 إلى 35)، مع مراعاة أن الدرجة الأعلى في معياري الاستثناءات والمخاطر تعني استثناءات أقل ومخاطر أدنى. لكن الأهم هو قراءة المعايير معاً: عملية تحصل على درجة عالية في الحجم ومنخفضة في جاهزية البيانات لا تُستبعد، بل تُصنَّف «فرصة تحتاج تمهيداً».

مصفوفة القرار: أين تقع كل عملية؟

بعد التقييم، تُصنَّف العمليات في خمس فئات، لكل منها مسار مختلف:

الفئةملامح العمليةالمسار المقترح
تحويل وكيليقواعد واضحة، حجم عالٍ، بيانات جاهزة، مخاطر منخفضةوكيل ينفّذ الحالات القياسية آلياً، مع رقابة بالعينات ومؤشرات أداء لحظية
وكيل مع إنسان في الحلقةجاهزية جيدة، لكن الأثر متوسط أو الاستثناءات ملموسةالوكيل يُعِدّ ويحلّل ويقترح، والموظف يعتمد القرار النهائي
ذكاء اصطناعي مساعدعمل معرفي يعتمد على التقدير، أو بيانات محدودةأدوات تساعد الموظف في البحث والتلخيص والصياغة دون تنفيذ ذاتي
إعادة التصميم أولاًقيمة عالية، لكن العملية مرتبكة أو غير موثقة أو بياناتها ضعيفةتبسيط الإجراء وتصفير الخطوات غير الضرورية وتهيئة البيانات، ثم إعادة التقييم
الإبقاء على الإنسانقرارات عالية الحساسية أو غير قابلة للتراجع، أو تتطلب تعاطفاً وتفاوضاًيبقى العمل بشرياً، مع الاستفادة من أدوات مساعدة محدودة

اللافت أن فئة «إعادة التصميم أولاً» غالباً ما تضمّ أكثر العمليات قيمة. وهنا يلتقي الذكاء الاصطناعي بمنهجيات التميز في العمليات: إعادة الهندسة، وتصفير البيروقراطية، وتبسيط الإجراءات — فهي ليست مرحلة سابقة للتحوّل الذكي، بل شرط لنجاحه.

خمس خطوات لتقييم محفظة العمليات قبل البدء

التقييم ليس استبياناً يُملأ مرة واحدة، بل مسار منظّم يمكن إنجازه في أسابيع قليلة:

1
احصر العمليات وابنِ سجلاً موحداً

ابدأ بقائمة شاملة بالعمليات والخدمات، مع مالك كل عملية وحجمها الشهري والأنظمة التي تعمل عليها. كثير من المؤسسات تكتشف في هذه الخطوة وحدها عمليات مكررة أو غير ضرورية.

2
ارسم الواقع كما هو، لا كما يجب أن يكون

وثّق خطوات العملية الفعلية، ونقاط الانتظار، والاستثناءات الشائعة. وحيث تتوفر سجلات الأنظمة، يمكن لأدوات تنقيب العمليات (Process Mining) أن تكشف المسار الحقيقي بدقة.

3
قيّم بالمعايير السبعة بفريق مشترك

فريق يجمع مالك العملية، وممثل تقنية المعلومات، والمخاطر والامتثال، وموظفاً ينفّذ العملية يومياً. التقييم الفردي يفتقد دائماً زاوية مهمة.

4
صنّف ورتّب الأولويات

ضع العمليات على مصفوفة (القيمة × الجاهزية): العمليات عالية القيمة والجاهزية تجارب أولى، وعالية القيمة منخفضة الجاهزية تدخل مسار إعادة التصميم.

5
ثبّت خط الأساس قبل التجربة

سجّل المؤشرات الحالية: زمن الإنجاز، والكلفة، ونسبة الأخطاء، ورضا المتعاملين. من دون خط أساس لن تستطيع إثبات أثر التحوّل — وهو ما ستُقاس به المؤسسات وقياداتها.

بهذا المسار يتحوّل هدف «50%» من نسبة عامة إلى خارطة طريق: عمليات محددة، ومستوى استقلالية مناسب لكل منها، وتسلسل زمني منطقي، ومؤشرات تثبت الأثر.

اختبار سريع: هل عمليات مؤسستك جاهزة للتقييم؟

أجب بصراحة بـ«نعم» أو «لا» عن الأسئلة الخمسة التالية:

إذا أجبت بـ«نعم» عن ثلاثة أسئلة أو أقل، فنقطة البداية الصحيحة ليست اختيار منصة ذكاء اصطناعي، بل تقييم العمليات وتهيئتها — وهو استثمار سيختصر عليك الطريق لاحقاً.

خارطة السلسلة: العمليات في عصر الذكاء الاصطناعي الوكيلي

هذا المقال هو الجزء الأول من السلسلة، وتتابع الأجزاء القادمة رحلة التحوّل خطوة بخطوة:

تابع مسار «التميز في العمليات» في مكتبة المقالات المعرفية ليصلك كل جزء فور نشره.

🎯 أبرز ما يجب أن تتذكره قيادات العمليات

ابنِ قدرات فريقك في إدارة العمليات

تقدّم PDCA برامج معتمدة في إدارة العمليات المؤسسية وإعادة هندستها تجمع المنهجية بالتطبيق العملي، ويمكن تصميم ورشة داخلية لتقييم محفظة عمليات مؤسستك وفق المعايير الواردة في هذا المقال. للاستفسار: info@pdcagroup.com

dots
square

مقالات ذات صلة